الشيخ محمد هادي معرفة

170

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بالأحاديث الأولى - أنّه كان يقول : « ذو القرنين رجل من الروم ، ابن عجوز من عجائزهم ، ليس لها ولد غيره ، وكان اسمه الإسكندر ، وإنّما سمّي ذا القرنين ؛ لأنّ صفْحَتي رأسه كانتا من نحاس ، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا ، قال اللّه عز وجل له : يا ذا القرنين إنّي باعثك إلى أمم الأرض ، وهي أمم مختلفة ألسنتهم ، وهم جميع أهل الأرض ، ومنهم امّتان بينهما طول الأرض كلّه ، ومنهم أُمّتان بينهما عرض الأرض كلّه ، وأمم في وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ، ويأجوج ومأجوج . ثمّ استرسل في ذكر أوصافه ، وما وهبه اللّه من العلم والحكمة ، وأوصاف الأقوام الذين لقيهم ، وما قال لهم ، وما قالوا له ، وفي أثناء ذلك يذكر ما لا يشهد له عقل ولا نقل . وقد سوّد بهذه الأخبار نحو أربعة صحائف من كتابه « 1 » ، وكذلك ذكر روايات أخرى في سبب تسميته بذي القرنين ، بما لا يخلو عن تخليط وتخبّط . وقد ذكر ذلك - عن غير ابن جرير - السيوطيّ في الدرّ ، قال : « وأخرج ابن إسحاق ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والشيرازيّ في الألقاب ، وأبو الشيخ ، عن وهب بن منبّه اليمانيّ - وكان له علم بالأحاديث الأولى - أنّه كان يقول : كان ذو القرنين رجلًا من الروم ، ابن عجوز من عجائزهم ، ليس لها ولد غيره ، وكان اسمه الإسكندر ، وإنّما سمّي ذا القرنين ؛ أنّ صفْحَتي رأسه كانتا من نحاس . . . » « 2 » وأنا لا أشكّ في أنّ ذلك ممّا تلقاه وهب عن كتبهم ، وفيها ما فيها من الباطل والكذب ، ثمّ حملها عنه بعض التابعين ، وأخذها عنهم ابن إسحاق وغيره من أصحاب كتب التفسير والسير والأخبار . ولقد أجاد الحافظ ابن كثير ، حيث قال في تفسيره : « وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبّه أثرا طويلًا ، عجيبا في سير ذي القرنين ، وبنائه السدّ ، وكيفيّة ما جرى له ، وفيه طول ، وغرابة ، ونكارة ، في أشكالهم ، وصفاتهم وطولهم ، وقصر بعضهم ، وآذانهم . وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة ، لا تصحّ أسانيدها ، واللّه أعلم » « 3 » . وحتّى لو صحّ الإسناد فيها ، فلا شكّ في أنّها من الإسرائيليّات ؛ لأنّه لا تنافي بين الأمرين ، فهي صحيحة إلى من

--> ( 1 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 16 ، ص 14 - 18 . ( 2 ) - . الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 242 - 246 . ( 3 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 3 ، ص 104 ؛ تفسير البغويّ ، ج 3 ، ص 212 - 216 .